سيد قطب

3357

في ظلال القرآن

وتهز النفس هزا ، وترجها رجا ، وتثير فيها رعشة الخوف ، وروعة الإعجاب ، ورجفة الصحو من الغفلة على الأمر المهول الرهيب ! وذلك كله إلى صور الحياة ، وصور الموت ، وصور البلى ، وصور البعث ، وصور الحشر . وإلى إرهاص الساعة في النفس وتوقعها في الحس . وإلى الحقائق الكونية المتجلية في السماء والأرض ، وفي الماء والنبت ، وفي الثمر والطلع . . « تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ » . . وإنه ليصعب في مثل هذه السورة التلخيص والتعريف ، وحكاية الحقائق والمعاني والصور والظلال ، في غير أسلوبها القرآني الذي وردت فيه ؛ وفي غير عبارتها القرآنية التي تشع بذاتها تلك الحقائق والمعاني والصور والظلال ، إشعاعا مباشرا للحس والضمير . فلنأخذ في استعراض السورة بذاتها . . واللّه المستعان . . « ق . وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ . بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ، فقال الكافرون : هذا شيء عجيب . أإذا متنا وكنا ترابا ؟ ذلك رجع بعيد . قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ، وعندنا كتاب حفيظ . بل كذبوا بالحق لما جاءهم ، فهم في أمر مريج . أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ؟ وما لها من فروج . والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ، وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج . تبصرة وذكرى لكل عبد منيب . ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد . والنخل باسقات لها طلع نضيد . رزقا للعباد ، وأحيينا به بلدة ميتا . كذلك الخروج . « كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ، وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ ، وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ . كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ . أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ؛ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ » . . هذا هو المقطع الأول في السورة . وهو يعالج قضية البعث ، وإنكار المشركين له ، وعجبهم من ذكره والقول به . ولكن القرآن لا يواجه إنكارهم لهذه القضية فيعالجه وحده . إنما هو يواجه قلوبهم المنحرفة ليردها أصلا إلى الحق ، ويقوّم ما فيها من عوج ؛ ويحاول قبل كل شيء إيقاظ هذه القلوب وهزها لتتفتح على الحقائق الكبيرة في صلب هذا الوجود . ومن ثم لا يدخل معهم في جدل ذهني لإثبات البعث . وإنما يحيي قلوبهم لتتفكر هي وتتدبر ، ويلمس وجدانهم ليتأثر بالحقائق المباشرة من حوله فيستجيب . . وهو درس يحسن أن ينتفع به من يحاولون علاج القلوب ! وتبدأ السورة بالقسم . القسم بالحرف : « قاف » وبالقرآن المجيد ، المؤلف من مثل هذا الحرف . بل إنه هو أول حرف في لفظ « قرآن » . . ولا يذكر المقسم عليه . فهو قسم في ابتداء الكلام ، يوحي بذاته باليقظة والاهتمام . فالأمر جلل ، واللّه يبدأ الحديث بالقسم ، فهو أمر إذن له خطر . ولعل هذا هو المقصود بهذا الابتداء . إذ يضرب بعده بحرف « بَلْ » عن المقسم عليه - بعد أن أحدث القسم أثره في الحس والقلب - ليبدأ حديثا كأنه جديد عن عجبهم واستنكارهم لما جاءهم به رسولهم في القرآن المجيد من أمر البعث والخروج : « بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ، فَقالَ الْكافِرُونَ : هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ . أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ؟ ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ » .